الشيخ فاضل اللنكراني
254
دراسات في الأصول
لأجل مفسدة قائمة بها تكون تلك المفسدة علّة واقعيّة للحرمة . ثمّ لو فرض أنّ العقل اطّلع على جميع الخصوصيّات الواقعيّة للخمر وحكم بالدوران والترديد أنّ العلّة الواقعيّة للحرمة هي كونها مسكرة - مثلا - فيحكم بأنّ إسكار الخمر علّة لثبوت الحكم بالحرمة ، ثمّ يحكم بأنّ موضوع الحرمة ليس هو الخمر بحسب الملاكات الواقعيّة ، بل الموضوع هو المسكر بما أنّه مسكر ، ولمّا كان متّحدا في الخارج مع الخمر حكم بحرمته بحسب الظاهر ، ولكن الموضوع الواقعي ليس إلّا حيثيّة المسكريّة ؛ لأنّ الجهات التعليليّة هي الموضوعات الواقعيّة لدى العقل ، فإذا علم أنّ مائعا كان خمرا سابقا وشكّ في بقاء خمريّته فلا إشكال في جريان استصحاب الخمريّة وثبوت الحرمة له . ولا يصحّ أن يقال : إنّ استصحاب الخمريّة لا يثبت المسكريّة التي هي موضوع الحكم لدى العقل إلّا بالأصل المثبت ؛ لأنّ ترتّب الحرمة إنّما يكون على المسكر أوّلا وبالذات وعلى الخمر ثانيا وبالواسطة ، وليس المراد بخفاء الواسطة أنّ العرف يتسامح وينسب الحكم إلى الموضوع دون الواسطة مع رؤيتها ؛ لأنّ الموضوع للأحكام الشرعيّة ليس ما يتسامح فيه العرف ، بل الموضوع للحكم هو الموضوع العرفي حقيقة ومن غير تسامح ، فالدم الحقيقي بنظر العرف موضوع للنجاسة ، فإذا تسامح وحكم على ما ليس بدم عنده أنّه دم لا يكون موضوعا لها ، كما أنّه لو حكم العقل بالبرهان بكون شيء دما أوليس بدم لا يكون متّبعا ؛ لأنّ الموضوع للحكم الشرعي ما يكون موضوعا لدى العرف . والسرّ في ذلك : أنّ الشارع لا يكون في إلقاء الأحكام على الامّة إلّا كسائر الناس ، ويكون في محاوراته وخطاباته كمحاورات بعض النّاس بعضا ، فكما